تروي إحدى الممرضات العاملات مع منظمة أطباء بلا حدود تجربتها الميدانية في غزة، حيث تصف حجم الدمار الذي شاهدته خلال عملها مديرًا للتمريض في جنوب القطاع، وتوضح كيف يعيش المرضى والطواقم الطبية وسط ظروف إنسانية قاسية ونظام صحي منهك يكافح للبقاء.


وينشر موقع أطباء بلا حدود هذه الشهادة الميدانية التي تسلط الضوء على الواقع الإنساني في غزة بعد أكثر من عامين من الحرب والحصار، مع استمرار النقص الحاد في الإمدادات الطبية ومغادرة الطواقم الدولية عقب قرار السلطات الإسرائيلية شطب عدد من المنظمات الإنسانية من العمل داخل فلسطين.


نظام صحي ينهار تحت الضغط

 


زارت الممرضة غزة للمرة الأولى بين نوفمبر وديسمبر 2024، ثم عادت في نوفمبر 2025 لتتولى منصب مدير التمريض وبقيت نحو أربعة أشهر حتى نهاية فبراير 2026، حين اضطر العاملون الدوليون في عدد من المنظمات غير الحكومية إلى مغادرة القطاع.


مددت الممرضة إقامتها عندما أدرك الفريق أن إسرائيل لن تسمح بدخول بدائل دولية جديدة. وخلال عملها في جنوب غزة أشرفت على عدة مرافق صحية، كما سافرت إلى شمال القطاع لمتابعة العمل في مستشفى الحلو الذي تدعمه المنظمة إضافة إلى عيادة حي الزيتون في مدينة غزة.


ورغم الحديث عن وقف إطلاق النار، لم يشعر السكان بأن القتال توقف فعلًا. فقد حلقت الطائرات المسيّرة باستمرار في السماء، ودوّت الغارات الجوية يوميًا. وربما انخفضت أعداد الضحايا مقارنة بالفترة السابقة، لكن العنف لم يختفِ.


تكشف الجولة الجديدة التي قامت بها الممرضة حجمًا أكبر من الدمار مقارنة بزيارتها الأولى. فقد انهار النظام الصحي إلى حد كبير، وتقلص عدد المباني الصالحة للسكن، بينما انتشرت الخيام في كل مكان. كما ازدادت أعداد العائلات النازحة التي تتكدس في مساحات ضيقة.


ويؤدي هذا الواقع إلى عواقب صحية خطيرة تظهر يوميًا في المستشفيات والعيادات.


أمراض منتشرة وجروح بلا علاج

 


يعالج الأطباء يوميًا حالات عديدة من التهابات الجهاز التنفسي مثل الالتهاب الرئوي والتهاب القصيبات، خاصة بين الأطفال الذين يقضون الشتاء في خيام بدائية دون تدفئة.


كما تنتشر حالات التهاب المعدة والأمعاء الحاد بسبب نقص المياه النظيفة. ويصطف السكان يوميًا للحصول على الماء كما يفعلون منذ أكثر من عامين.
وتنتشر أيضًا أمراض الجلد نتيجة الاكتظاظ وقلة النظافة في أماكن النزوح.
أما جروح الحرب فتمثل عبئًا هائلًا على المرافق الطبية. ففي إحدى الفترات أجرت الفرق الطبية نحو 900 عملية تغيير ضمادات أسبوعيًا. ويحمل كثير من المرضى إصابات قديمة لم تلتئم منذ شهور.


وتصف الممرضة حالات لشباب في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة أصيبوا بطلقات نارية في العمود الفقري وأصبحوا مشلولين، فيقضون أيامهم طريحي الفراش ويعانون تقرحات ضغط قد تتحول بسرعة إلى التهابات خطيرة في ظل هذه الظروف.


كما يستمر وجود مثبتات خارجية على أطراف بعض المرضى بانتظار عمليات جراحية لا يمكن إجراؤها داخل غزة.


ويحتاج آلاف المرضى إلى إجلاء طبي عاجل. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 18,500 مريض يحتاجون رعاية طبية متخصصة غير متوفرة في القطاع، لكن القيود المفروضة تمنع خروجهم.


وتتذكر الممرضة طفلًا يدعى محمد يبلغ ثلاث سنوات ويعاني سوء تغذية مزمنًا إضافة إلى مشكلات طبية معقدة. تلقى الطفل علاجًا بالحليب الطبي داخل المستشفى وتحسنت حالته، لكن وضعه تدهور مجددًا بعد عودته إلى المنزل.


وفي آخر مرة رأته فيها لاحظت فقدانه وزنًا كبيرًا لأنه رفض تناول المنتج الغذائي القائم على الفول السوداني المستخدم عادة لعلاج سوء التغذية. ويعاني الطفل أيضًا مرض الاضطرابات الهضمية ويحتاج نظامًا غذائيًا خاصًا، بينما ينتظر حتى الآن فرصة الإجلاء الطبي.


وتحذر الممرضة من أن الأطفال الذين يعانون حالات مشابهة قد لا ينجون إذا استمر منعهم من تلقي العلاج خارج غزة مهما بذلت الفرق الطبية من جهود.


مغادرة الطواقم واحتياجات لا تنتهي

 


يعيش العاملون الفلسطينيون في منظمة أطباء بلا حدود الظروف نفسها التي يعيشها السكان. فهم يواجهون انعدام الأمن ونقص الموارد والضغط النفسي اليومي، بينما يبقى خطر الهجمات قائمًا في كل لحظة.


ويواصل هؤلاء العاملون قيادة الاستجابة الإنسانية للمنظمة داخل غزة، لكن تقديم الدعم عن بُعد لا يعوض وجود الفرق الدولية على الأرض إلى جانبهم.
تصف الممرضة اللحظة التي غادرت فيها غزة على متن حافلة، حيث شعرت بثقل شديد في صدرها. ففي كل مرة يعود فيها العاملون الإنسانيون يكتشفون أن الدمار أصبح أكبر من السابق.


وتساءلت أثناء مغادرتها عن شكل القطاع إذا سُمح لهم بالعودة يومًا ما.
وتواجه المنظمات الإنسانية قيودًا متزايدة. فمنذ بداية عام 2026 لم تدخل أي إمدادات إلى غزة عبر منظمة أطباء بلا حدود. كما اضطرت الطواقم الدولية إلى مغادرة القطاع بعد قرار إسرائيل إلغاء تسجيل المنظمة إضافة إلى 36 منظمة أخرى.


ويهدد هذا القرار بآثار إنسانية كارثية، لأن سكان غزة يعتمدون بدرجة كبيرة على المساعدات الإنسانية للحصول على الماء والغذاء والرعاية الصحية وخدمات الصرف الصحي والتعليم.


ويطلب الفلسطينيون من العاملين الإنسانيين نقل شهاداتهم إلى العالم، والحديث عن ظروف حياتهم اليومية تحت الحصار والعنف المستمر. لهذا ترى الممرضة أن دورها الآن يقتصر على رواية ما شاهدته، على أمل أن يُسمح يومًا ما بعودة المنظمات الإنسانية للعمل بحرية، لأن سكان غزة ما زالوا في حاجة ماسة إلى كل أشكال الدعم والمساعدة.

 

https://www.msf.org/international-staff-leave-gaza-needs-remain-enormous